الأرض صورة مريم العذراء

مريم العذراء

لم يخلق الله الأرض من العدم لمجرّد الخلق، بل لإيجاد خليقة سعيدة هانئة، تكون تعبيرًا واضحًا عن حبّه وعطفه على مخلوقاته، وأكثرها سموًا الإنسان. بالتالي، فإنّ الخليقة تتمتّع بوجودين: الوجود البسيط الأوّل، مع بداية الأزمنة، والوجود السعيد مع اكتمال الأزمنة…

[heading_title]الأرض صورة مريم[/heading_title]

عندما أراد الكلمة الخالق، في عمل الخلق الأوّل، أن يخلق آدم الأوّل، أخذ حفنة من تراب الأرض، وبيده الخلاّقة ومشيئته الإلهيّة، كيّف كما يشاء جسم آدم، دون أن تكون الشهوات والرغائب الجسديّة مرافقة لخلقه. لكنّ الخالق، من جهة أخرى، جعل من الأرض وترابها مادة لخلق آدم، ونفخ في الشكل الذي خلقه روحًا ونفسًا من عنده. وكذلك فعل الخالق، في الخليقة الثانية، التي ستحمل للبشريّة الوجود السعيد. إنّ أوجه الشبه بين الخليقتين كثيرة ومتعدّدة.

لم يجدّد الكلمة الخالق شيئًا في آدم صنيعته، لكنه جدّد طبيعتنا، فبه ومعه تسعى طبيعتنا إلى الكمال وإلى تحقيق وجود سعيد. وكانت المعجزة الخارقة: صار الخالق آدمًا جديدًا بيننا، صار خالقًا ومخلوقًا، مع الخلق الثاني، الذي حمل الوجود السعيد للخليقة القديمة التي أصبحت جديدة بالكامل مع المسيح. (راجع غلا 6/15).

إنّ آدم الجديد هو، في الوقت ذاته، خليقةً جديدة وخالقًا لذاته: لقد أوجد الخليقة الجديدة، منذ البدء، بحسب مخطّطه الإلهيّ، وهي العذراء، الأرض الجديدة التي أوجد منها، بيده الخالقة، يد الروح القدس، جسدًا له، وظهر بيننا، إنسانًا مثلنا، لكنّه منزّه عن الشهوات والرغائب الجسديّة، قبل ميلاده وفيه وبعده.

نرى كيف كان خلق آدم الأوّل العتيق نموذجًا وظلأ لخلق آدم الثاني الجديد.

لكن يجب التمييز بين الأصل والظلّ. كان آدم الأوّل سبب لعنة حلّت بالأرض التي خُلق منها . لقد كُتب: “…ملعونة الأ رض بسببك” (تك3/17). أمّا آدم الجديد فقد جعل من الأمّ التي ولدته بركةً ونعمةً، إذ قيل لها: “مباركة أنت في النساء” (لو1/28. 42). ليس هذا وحسب، بل جعلها ينبوع بركات لجميع أبناء آدم.

تيوفانوس النيقاوي

SHARE