تحليل لاهوتي لرسالة العذراء في فاتيما

مريم الناصرة

بعد ظهورات العذراء في فاتيما، في 13 أيار 2000، أجرى (الكاردينال جوزف رتزنغر)،قداسة البابا الحالي، بنديكتوس السادس عشر، تحليلاً لاهوتيًا للرسالة التي أعطتها السيّدة العذراء في ذلك التاريخ.

[heading_title]خلاصة التحليل اللاهوتي[/heading_title]

“من يقرأ بانتباه نصّ ما يُعرف “بالسر الثالث” لرسالة فاتيما، لا بدّ من أن يشعر بخيبة أمل أو بدهشة، نتيجةً للتخيلات التي نسجها المحلّلون حول الرسالة.

لم تكشف الرسالة أيّ سرّ كبير. لم تنزع أي حجاب عن المستقبل. إننا نرى كنيسة شهداء القرن المنصرم، ممثلةً من خلال مشهد موصوف بلغة رمزيّة يصعب فهمها.

هل ذلك ما أرادت أمّ الربّ أن تنقله إلى المسيحية، وإلى البشرية جمعاء، في زمن المشاكل الكبرى والقلق المتنامي يومًا بعد يوم؟ وهل يفيدنا ذلك مع بداية الألفيّة الثالثة؟ أم المقصود هو باختصار، ما يختزنه الأولاد في ذاكراتهم، وقد كبروا في مناخ من التقوى العميقة، ولكنهم في الوقت ذاته، صُدموا بما يهدّد عصرهم من مصاعب وحروب؟

[heading_title]فكيف يجب أن نفهم ظهورات فاتيما؟[/heading_title]

محاولة تفسير سرّ فاتيما

في لحظة مرعبة، تراءى الجحيم للأولاد. شاهدوا سقوط نفوس “الخطأة المساكين”. ثمّ قيل لهم لماذا عُرض أمامهم هذا المشهد:”لأجل خلاص الأنفس” والإشارة إلى طريق الخلاص. هنا تحضر إلى الذاكرة رسالة القديس بطرس الأولى: “… لكونكم تفوزون بغاية إيمانكم، بخلاص نفوسكم”. (1/9)

لبلوغ هذا الغاية، طلبت الرسالة التعبد لقلب مريم الطاهر.

هذه الآشارة المختصرة تكفي لفهم المقصود. “القلب”، بلغة البيبليا، يعني محور الوجود البشري، وملتقى العقل والإرادة والمزاج والإحساس، وبها يحقّق الإنسان وحدته الكيانيّة ويحدّد توجهه الداخليّ.

“القلب النقي”، بحسب متى (5/8)، هو قلب ينطلق من الله، ليحقّق وحدته الداخلية “فيعاين الله”. إنّ التعبّد لقلب مريم النقيّ هو إذن طريقة للتقرّب من هذا القلب، الذي قال للرب: “لتكن مشيئتك”، وهذه المشيئة تصبح المركز الذي يتمحور حوله وجود الشخص المؤمن.

إذا أراد أحد أن يعترض على جعل إنسان يتدخل بين المسيح وبيننا، نذكّره بأن بولس الرسول لم يتردّد في أن يقول لجماعته: “إقتدوا بي جميعكم” (را 1كور4/16؛ فيلبي 3/17؛ 1تيم1/1…). بالنسبة إلى بولس الرسول، تستطيع الجماعات أن تحقّق بالفعل معنى الاقتداء بالمسيح. فممن بإمكاننا أن نتعلّم هذا الاقتداء، إذا لم يكن ذلك من أمّ الربّ؟

بالنسبة إلى السرّ الثالث، قالت الأخت لوسي إنها تلقّت الرؤيا، دون تفسير لها. وقالت أيضًا إنّ التفسير ليس مطلوبًا من الرائي بل من الكنيسة.

يمكننا إعطاء تفسير معمّق لما ورد في الرؤيا. ففي الأولى والثانية كانت الكلمة المفتاح: ” خلاص الأنفس”. أما الكلمة المفتاح في السرّ الثالث فهي النداء الثلاثي: “التوبة، التوبة ، التوبة”.

نتذكر في هذا المجال ما ورد في إنجيل مرقس: “توبوا وآمنوا بالإنجيل” (1/15). لفهم علامات الأزمنة، يجب فهم ضرورة التوبة والإيمان.

هذا هو الجواب الصحيح في هذه المرحلة التاريخيّة المشوبة بأخطار ستعبّر عنها الصور اللاحقة:

… الملاك الذي يحمل سيفًا ويقف عن يسار أمّ الله يذكّر بصور مماثلة في الرؤيا. إنه يمثل الدينونة التي تخيّم على العالم. المنظور القائل بأن العالم سيبتلعه بحر من اللهب، لم يعد اليوم مجرّد وهم: الإنسان أعدّ بنفسه سيف اللهب، باختراعاته الجهنميّة التي ستبتلع العالم.

تُظهر الرؤيا، بعد ذلك، القوة التي تعترض سلطان الدمار: إنها قوة أم الله، الداعية إلى التوبة.

بهذه الطريقة أشارت الرؤيا إلى أهميّة حريّة الإنسان. ليس المستقبل مرسومًا بطريقة لا تقبل التعديل، والصورة التي رآها الأولاد ليست فيلمًا يصوّر المستقبل الذي لا يمكن تغييره، بل لتظهر حريّة الإنسان ولتوجّهها توجيهًا إيجابيًا لخير البشريّة.

(يتبع)

SHARE