حياة يسوع في الناصرة، مدرسة الإنجيل

مدرسة الانجيل

الناصرة هي المدرسة التي نبدأ فيها بفهم حياة يسوع: إنها مدرسة الإنجيل. في هذه القرية نتعلّم كيف ننظر ونسمع ونتأمّل، وكيف ندخل إلى عمق سرّ ذلك الظهور الجميل والمتواضع لابن الله. وربما تعلّمنا لاشعوريًا كيف نقتدي به.

في هذه القرية نتعلّم الطريقة التي تتيح لنا أن نفهم جيدًا من هو المسيح. هنا نشعر بالحاجة إلى ملاحظة الإطار الذي عاش فيه يسوع بيننا: الأماكن، الأزمنة، العادات، اللغة، الممارسات الدينيّة، وبكلمة كلّ ما استخدمه يسوع ليظهر ذاته للعالم. هنا كلّ شيء يتكلّم، كلّ شيء له معنى.

[heading_title]المعنى المزدوج للحياة المستترة في الناصرة[/heading_title]

لكلّ شيء هنا معنى مزدوج: معنى خارجي صرف، في البداية، وهو المعنى الذي تستطيع الحواس أن تستخلصه من الرواية الإنجيليّة، والمعنى الذي يحلو للناس السطحيين أن يكتفوا فيه بدراسة وانتقاد الحلّة اللغويّة والتاريخيّة للكتب المقدّسة، وهذا ما تسميّه اللغة البيبلية “حرفيّة” النص. إنّ هذه الدراسة مفيدة وضروريّة بالتأكيد، لكن من يتوقف عندها يبقى في الظلمة، وتجعله يتوهم معرفة ما تقصده الأناجيل، دون أن يدخل في جوّ النظرة الصافية إلى مضامينها، بقلب متواضع ونيّة صادقة ونفسٍ مصلية.

إن الإنجيل لا يقدّم معناه الداخلي، أي الوحي بالحقيقة، والواقع الذي يبديه ويحجبه عن الأنظار، إلا لمن يتوافق مع النور بروح صافٍية نابعة من الفكر والقلب، وهذا التوافق يكون نابعًا من فيض النعمة المجاني. وهذه النعمة لا تخطيء، لأنها آتية من سرّ الرحمة الذي يوجّه مصير البشرية، وذوي الإرادة الطيبة، وهذا ما نسميه “الروح”.

هنا، في هذه المدرسة، نفهم ضرورة وجود نظام روحي، إذا أردنا أن نسير بحسب تعاليم الإنجيل، وأن نكون تلامذة للمسيح. آه! كم نتمنى أن نرجع صغارًا، وندخل إلى مدرسة الناصرة المتواضعة والسامية. كم نتمنى أن نكون بالقرب من مريم، ونتدرّب على المعرفة الحقيقية للحياة وعلى الحكمة المودعة في الحقائق الإلهية. لكننا لا نفعل سوى العبور السريع. علينا أن نرفض القبول بمعرفة ناقصة، ولا نودّع حياة يسوع في الناصرة قبل أن نتلقّف منها، ولو بصورة خاطفة، بعض الأمثولات والعبر.

– أمثولة الصمت، أولاً

ليولد فينا احترام الصمت، وهو الاستراحة الرائعة والضرورية لفكرنا، المتعب من فرط الجلبة والضجيج والصراخ في حياتنا اليومية المعاصرة المرهقة جدًا. يا صمت الناصرة، علّمنا كيفيّة التأمل، والتطلع إلى داخلنا، والاستعداد لسماع الإيحاءات الجيدة وكلمة المعلمين الحقيقيين. علمنا الحاجة إلى التحضيرات والدراسات والتأمل، وضرورة بناء حياة شخصيّة صافية، بالصلاة السريّة التي يسمعها الله جيدًا.

– أمثولة الحياة العائليّة

لتعلّمنا الناصرة معنى العائلة، وشراكتها بالمحبّة، وجمالها وبساطتها، وطابعها الأسراري الذي لا ينفصم. لنتعلم من الناصرة أن التنشئة التي نتلقاها فيها لطيفة، لا يستعاض عنها، وهي، على الصعيد الاجتماعي، أساسيّة لا مثيل لها.

_ وأخيرًا، أمثولة العمل

أيتها الناصرة، حيث بيت ” إبن النجار”، فيك نودّ أن نفهم ونقدّر أهمية النشاط البشري، واكتشاف قيمة العمل، وهو ليس غاية بحد ذاته، بل يكتسب أهميته من قيمته الاقتصادية والقيم التي يمثلها في المجتمع. كما نحيي جميع عمال العالم، محبة بمثالهم الأعلى وأخيهم السماوي، المسيح ربنا.

من كلمة قادسة البابا بولس السادس، في بازيليك البشارة في الناصرة،

في 5 كانون الثاني 1964

SHARE