سبيل ماء العذراء في الناصرة

سبيل ماء العذراء في الناصرة

يخيّم النور الصباحيّ الساطع، في الشرق، على الطبيعة بألوانه الزاهية ولوحاته الباهرة.

مع طلوع الصباح تفتح أبواب بيوت الناصرة ونوافذها، وتنطلق النساء في دروب القرية وأزقّتها المتعرّجة، متوجهات نزولاً نحو سبيل ماء العذراء.

في الطريق إلى السبيل تفيض الدرب بالأحاديث، التي تتبادلها النسوة المنطلقات في مسيرة غير منتظمة، والجرار تتمايل بحذر فوق رؤوسهنّ، وهنّ متسربلات بالزيّ التقليديّ، الزاهي الألوان، على لباقة وأناقة.

يتداول أهل الناصرة أسطورة قديمة مفادها أنّ مريم العذراء أورثت بنات قريتها نفحةً من جمالها السماويّ. وهذا الاستعراض الصباحيّ، في المسيرة نحو سبيل الماء، خير دليل على صحّة الأسطورة، من خلال الجمال البادي على وجوه المتوجهات إلى سبيل مريم الكليّة الجمال، الذي ينبع من سفح جبل السِيخ، على مسافة 150 مترًا من السبيل ويشكّل الخزّان الرئيسيّ له.

تصل المياه من النبع إلى السبيل بواسطة قناة محفورة في الصخر، تصل إلى كنيسة القديس جبرائيل، وتنقل من هناك إلى السبيل بواسطة قناة أخرى مبنيّة بالحجارة المحفورة والمتلاصقة بشكل محكم يمنع تسرّب الماء منها، لتصل إلى سبيل العذراء.

شيّدت كنيسة القديس جبرائيل على أنقاض كنيسة أخرى من القرون الوسطى، يروي التقليد أنها بنيت في المكان الذي ظهر فيه ملاك البشارة للعذراء مريم.

يعيد هذا السبيل إلى الذاكرة الصفة التي عرفت بها الناصرة بأنها ” زهرة الجليل”، بفضل ثروتها المائيّة. لكنّ الحفريات التي أجريت سنة 1955، دلّت على أن نبع الماء موجود خارج المنطقة السكنية في الناصرة، كما في قانا وسيفوريس…

أمام سبيل ماء العذراء تنظر النسوة كي يأتي دور كل منهنّ لتعبئة جرّتها. ويخيّم الهدوء والصمت والتأمل على الانتظار الطويل.

أذا كان كلّ ينبوع ماء حيّ أعجوبة حقيقيّة من العناية الإلهيّة، وعطيّة مجانيّة للإنسان، تخفّف عليه عبء الآية التي تلزمه بأن يأكل خبزه بعرق جبينه، فماذا نقول عن سبيل ماء العذراء؟

إنه سبيل مقدّس، في نظر أبناء الناصرة، والمسيرة اليوميّة نحوه تتمّ بروح التقوى الإيمان، وكأنها أحد الطقوس الدينيّة.

SHARE