صورة سيّدة إيليج وأيقونوغرافيتها

سيدة ايليج

تستوقفنا صورة سيّدة إيليج، بجمالها الرائع، وبما تحمله من تاريخ ومعانٍ. فهي تواصل الخطّ التاريخيّ الذي نهجه مخطوط ربولا الذي يعود الى القرن السادس.

تختصر صورة سيّدة إيليج حقبة إيقونوغرافيّة تمتدّ من القرن العاشر حتّى يومنا هذا. تبقى بداية هذه المرحلة الإيليجيّة لغزًا، ولكنّ الأكيد أنّ صورة سيّدة إيليج إنتقلت من مكان ما في العالم السريانيّ لتستقرّ في إيليج. ويبقى السؤال: من أين أتت، وأيّ طريق سلكت؟

إنّ صورة سيّدة إيليج المحفوظة في دير سيّدة ميفوق، هي أصدق شاهد على تاريخ إيليج وبطاركتها، بما تحمله من حقبات تاريخيّة بين طبقاتها التصويريّة.

[heading_title]ترميم الصورة [/heading_title]

نظرًا للأهميّة التاريخيّة والإيقونوغرافيّة لصورة سيّدة إيليج، قرّرت الرئاسة العامّة للرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة ترميمها، وأوكلت هذه المهمّة الدقيقة والصعبة الى راهبات كرمل الوحدة أمّ الله، في حريصا. وجرى ذلك بإشراف وعناية الأب أنطوان لامنس. فأظهرت الدراسات المخبريّة والصور الشعاعيّة أنّ صورة سيّدة إيليج مكوّنة من عدّة طبقات تصويريّة متراكمة، تعود أقدم طبقة فيها الى القرن العاشر. وهذه كانت المفاجأة الكبرى.

دلّت دراسة الطبقات التصويريّة أن الصورة تعرّضت لعدّة أعمال ترميم، منذ بداية القرن العاشر وحتّى مطلع القرن التاسع عشر. ففي الطبقة الأولى تظهر صورة “العذراء الموجّهة”(Hodigitaria)، وهي من النوع السرياني العريق في القدم. وهذه الإيقونوغرافيا للعذراء، بذراعها المباركة، تعود الى الأجيال المسيحيّة الأولى، ونجدها في إنجيل ربولا، وفي المخطوط السرياني، رقم 33، المحفوظ في المكتبة الوطنيّة بباريس. وقد انتشر هذا الفن الإيقونوغرافي في إيطاليا مع الجاليات السريانيّة الهاربة من بلادها بسبب الإضطهادات.

تعرّضت الصورة، في القرن العاشر، لإعادة تلوين الوجوه وبعض الأجزاء التالفة منها. ولكن تمّت المحافظة على تكوينها الأساسيّ. أمّا في القرن الحادي عشر، وبتأثير بيزنطي، فقد أدخلت بعض التعديلات على الصورة. وتوحي الألوان التقنيّات المستخدمة بأنّ هذه التعديلات جرت في أحد الأديار المعتاد على زخرفة الأيقونات ونمنمتها. وأدخل تعديل جديد على الصورة، في القرن الرابع عشر. وتدل التقنيّة المستخدمة لإجراء هذا التعديل على جهل للتقليد الخاص بالصورة ذاتها. وفي القرنين الخامس عشر والسادس عشر أعيد تلوين بعض الأماكن التالفة من الصورة.

في القرن السابع عشر جرى تعديل جديد للصورة لجعلها مطابقة لصورة سيّدة خلاص الشعب الروماني، وأعيد تلوين بعض النقاط التالفة في نهاية هذا القرن. وفي مطلع القرن الثامن عشر أدخل تعديل كامل على تكوين الصورة، ليتناسب مع الذوق المحلّي المتأثّر بالغرب، وبالفن الأيقونوغرافي الغريغوري. وجرى ترميم للصورة بين نهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر.

أمّا الترميم الأخير فأعاد الصورة الى أصلها السرياني الذي كانت عليه في القرن العاشر. ومن الخصوصيّات السريانيّة فيها وجود الشمس والقمر في زاويتي الصورة ، للجهة العليا، وفتحة المنديل حول رأس العذراء.

[heading_title]أهميّة أيقونة إيليج [/heading_title]

تحمل أيقونة إيليج تراثًا وتاريخًا مارونيًّا مسيحيًّا. نتأمّلها فنجد أنفسنا أمام وجه أوحى الى آبائنا الصلاة والجهاد في الإيمان. فكم صلّى أمامها بطاركتنا القدّيسون، واستغرقوا في التأمّل، وطلبوا شفاعتها في أحلك ساعات التاريخ المارونيّ واللبنانيّ. ولعلّ هذا الوجه المشرق يعيد إلينا البسمة والفرح في الظروف الحاليّة، فتكون صورة سيّدة إيليج علامة رجاء في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخنا.

SHARE