مزار الميلاد في بيت لحم

مزار الميلاد في بيت لحم

في بيت لحم، تتصاعد الضحكات وهتافات التعجّب من نوافذ المنازل! والجماهير تزدحم عند بوابة المدينة، في ضجيج وصخب.

وصلت مريم ومعها يوسف خطيبها بعد سفر استمرّ يومًا بكامله. لقد انهكهما التعب، ويحتاجان إلى الراحة، لينصرفا إلى التأمل والفرح النابع من اإلإيمان الحقيقي.

سلكا طريقًا مؤدّيًا إلى خارج المدينة. كان الطريق مقفرًا يخيم عليه سكون الليل. مع طلوع القمر خفت حدّة ريح الشمال. بعض بقع الثلج المنتشرة هنا وهناك من البارحة، تلطّف قساوة المنظر المخيّم.

” المحد لله في العلى، وعلى الأرض السلام ، وفي الناس المسرّة”.

وانتشرت أفواج الملائكة كقوس قذح يصل السماء بالأرض.

المغارة المقدّسة

توافق آباء الكنيسة، من القرن الثاني إلى القرن الرابع، على تأكيد موقع مغارة الميلاد، بالاستناد إلى التقليد المنقول والنصوص المنحولة.

لإثبات صحّة هذا الطرح، الذي يتخطى ما ورد في إنجيل لوقا، من الضروري اللجوء إلى التقاليد المحليّة التي لم يكن التشويه قد طالها في تلك الحقبة.

كان القديس أغسطينوس أوّل من أشار إلى المغارة المقدّسة، ويبدو أنه استقى معلوماته من التقليد المحلّي، بينما يحدّد الإنجيل المنحول موقع المغارة بين بيت لحم وأورشليم، يؤكّد النص الإنجيلي أنها “قريبة جدًا من بيت لحم”. كما يؤكد الطرح الأخير كل من أوريجينوس ويوستينيانوس وأوسابيوس القيصري مستندين إلى التقليد الذي “توارثه أهالي بيت لحم عن آبائهم”.

دنُّست هذه المغارة سنة 135، في أثناء ثورة اليهود، أيام الأمبراطور أدريانوس، وبعد أن استعاد المسيحيون حريّتهم، قاموا بترميم المغارة، بدعم من القديس إيرونيموس، وجعلوها مزارًا مقدسًا.

المزود

قلب المزار هو المزود الذي وضع فيه المخلّص.

يتحدث الإنجيل، عدّة مرّات، عن المزود وهو العنصر الأساسيّ في التقليد المحلّي. لكن المطابقة ليست تامة حول نوعيّة المزود الذي يتحدث عنه الإنجيل والمغارة التي يتحدث عنها المؤمنون في بيت لحم.

إنّ الترجمة الحرفيّة لكلمة “مزود” ، بحسب القديس إيرونيموس، تعني وعاءً يوضع فيه العلف، مصنوع من التراب والقشّ، ما يزال بعض عرب فلسطين يستعملونه إلى اليوم.

لكنّ التقليد المتواصل حول المزود لا يمكن إلاّ أن يصوّره محفورًا في الصخر، كما يستمرّ تكريمه إلى اليوم، على أنه السرير الأوّل للمسيح. وقد فضّل القديس إيرونيموس أن يكون المزود من الحجر وليس عليه أيّة كسوة، للدلالة على أن المسيح ولد “فقيرًا حقيرًا”.

بازيليك قسطنطين، بازيليك الميلاد

الشهادة الأولى المتعلقة بموقع إنشاء بازيليك الميلاد جاءت من أحد الحجاج الآتين إلى الأماكن المقدّسة، من بوردو، سنة 335، إذ كتب: “في المكان ذاته الذي ولد فيه الربّ يسوع، شيّد بازيليك بأمر من الأمبراطور قسطنطين”.

كرّر أوسيبيوس القيصري هذا التأكيد، في عظة ألقاها بمناسبة تدشين بازيليك القبر المقدّس، سنة 335. لكنه ذكر أن البناء يغطي أيضًا مغارة الميلاد. يبدو إنّ القدّيسة هيلانة، والدة الأمبراطور أشرفت شخصيًا على إقامة هذا الصرح الذي بدأ العمل في بنائه سنة 326 وانتهى سنة 329.

كيف أصبح بازيليك بيت لحم كنيسة مكرسة لمريم العذراء

غابت المعلومات المتعلّقة بالبازيليك في القرن السادس. يحيط المؤرخ بروكوبيوس بالصمت والشكّ الأعمال التي أجراها الأمبراطور يوستينيانوس. لكنّ الحفريات الأثريّة تدلّ على أن ذلك الأمبراطور كان بنّاءً بارعًا للكنائس والأديار، وهو الذي رمّم بازيليك بيت لحم بطريقة تلائم نمط البناء في القرن السادس.

وصف القديس صفرونيوس (603-604) البناء الجديد وروعته بقصيدة صوّر فيها ما يتضمّنه من فسيفساء ورسوم ملوّنة وأعمدة ضخمة… وقد أكّد هذا الوصف ما ورد في بعض وثائق مجمع أورشليم، سنة 836، عندما تحدّث عن أجتياح الفرس للبلاد ودخولهم إلى البازيليك، حيث وجدوا لوحة تدلّ على سجود المجوس للمسيح، فلم يقوموا بتهديم البازيليك. كما أن الخليفة عمر بن الخطاب، عندما دخل إلى القدس، أدّى الصلاة في باحة البازيليك، ولم يدخل إليه، مخافة أن يقول أتباعه: “هنا صلّى عمر”، ويقدمون على تحويل البازيليك إلى مسجد.

ظهرت تسمية البازليك باسم مريم في القرن السابع، وحمل إسم كنيسة القديسة مريم. لكن تعصّب المحتلّين وتطرّفهم لم يسمح بأعمال الترميم الصيانة في البازيليك، ما سبّب بعض الأضرار والتشوّهات في البناء. استمر البازيليك على هذه الحال حتى قدوم الصليبيين الذين أدخلوا عليه لمسات من الروعة والجمال، بعد أن عانى من الإهمال طوال خمسمئة سنة.

واليوم

من يحجّ إلى بيت لحم يصدم لدى مشاهدته واجهة البازيليك، المكوّنة من حائط سميك، يخترقه باب منخفض، يضطرّ الداخل منه أن يخفض رأسه ليلج إلى المكان المقدّس…. ويتبخّر الحلم بماضٍ مجيد زاهر، عن بيت لحم… ومغارة الميلاد… والمزود…

إعداد: جرجس خليفه

SHARE