وجه العذراء وتكريمها

بتولية مريم

سيقوم المؤرخون، في العصور القادمة، بدراسة مجتمعنا المسيحيّ الحاضر، كما نفعل نحن اليوم في دراسة العصور القديمة التي سبقتنا. ولا بدّ أن يلفت انتباهَ أولئك المؤرخين مقدارُ أهميّة التعبّد لمريم العذراء وتكريمها وطلب شفاعتها.

اتّهم الفيلسوف فردريك نيتشه مجتمعنا الحالي بالإلحاد، وقال إنّ “الله مات!” في هذا المجتمع. لكن هذا المجتمع ذاته، تتدافع حشود كبيرة منه إلى مزارات العذراء في لورد وفاتيما، والقديس شربل وسيّدة لبنان والقديسة رفقا وسيّدة بشوات والقديس نعمةالله، وإلى كلّ مزار تتوالى فيه الأعاجيب لتُظهر قدرة الذي صار بشرًا، حبًا بالإنسان.

إنّ حضارتنا اليوم تسير بخطى سريعة، في دروب شديدة الخطورة، تقرّبها من الهاوية، خطوة بعد خطوة. لكنّ ردّات فعل هذه الحضارة ذاتها، في سبيل الدفاع عن نفسها، تسير بها في اتجاه معاكس، يجعلها تسعى إلى ترسيخ رسالة العذراء مريم والتعمّق في فهمها واستخلاص الأمثولات التي تعلّمنا إياها.

في الزمن الذي كان الفلاسفة فيه ينطلقون في مهاجمة كلّ ما هو إلهيّ، كانت التقوى المسيحيّة تنطلق في تجديد وتطوير أشكال التعبد للعذراء، من شهرها المريميّ إلى مسبحة الورديّة، إلى إقرار عقيدة الحبل بلا دنس. وفي ذروة رفض هذا التعبّد من قبل البعض،أقرّت عقيدة انتقال العذراء، بالنفس والجسد. والنيّة من كلّ ذلك تسخيف فلسفات هذا العصر الغارقة في المادية وإلإلحاد.

واكب التعبّد لمريم العذراء تاريخ مجتمعنا المسيحيّ المشرقيّ، وشكّل معه وحدة مترابطة، متكاملة مع تطوّر الفكر الدينيّ، وتأثير هذا التطوّر على الفن عامة وعلى الفن الدينيّ خاصةً. فكيف كانت صور الفنّ المسيحيّ، في حال غياب أجمل وجه عنها، وأحبّ وجه “تغبطه جميع الأجيال” ، هو وجه العذراء مريم؟

تصوروا فنًا مسيحيًا مشرقيًا لبنانيًا، تغيب عنه صورة سيّدة إيليج في ميفوق، وسيّدة قنوبين في الوادي المقدّس، وسيّد البشوشة في بكركي، وبجوارها سيّدة لبنان، إلى سيّدة المنطرة وسيّدة التلة وسيدة بشوات وسيّدة الملائكة…. وهذه الروائع الفنيّة جميعها تحضنها كاتدرائيات وكنائس ومزارات ككنيسة قنوبين، وحريصا وأمّ المراحم في مزياره… إنّ هذا الفنّ المسيحيّ المشرقي يفقد نواة قيمته من دون هذه المعالم الفنيّة الرائعة، ولا تكتب له حياة.

إنّ الوجه الأنثوي لمريم العذراء، أمّ المخلّص، مطبوع بطابع كلّ بلد وكلّ عصر. لكنّ اللاهوت المريميّ والروحانية المرتبطة به، يبقيان بارزين في ملامح وجه أم الله. فهل يستطيع عصرنا ، الذي يشكّل حبّ مريم نفحة حياة له، في وسط ما يتهدّد هذا العصر من مخاطر، على أكثر من صعيد، أن يعطي، في الفنّ، نموذجًا متجددًا عن التعبد لمريم العذراء؟ وهل يسير الفنّ الجماليّ المسيحيّ، في القرن الواحد والعشرين، في اتجاه جعل وجه مريم، المثال الأعلى لجميلات الوجوه، لأنّ صاحبته ” مباركة بين النساء”؟

SHARE